حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

74

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوّز الثاني . واعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على معان لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق اللّه تعالى منها : الاستهزاء اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] والاستهزاء مذموم لكونه جهلا قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ البقرة : 67 ] . ومنها المكر وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] ومنها الغضب وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ الفتح : 6 ] ومنها التعجب بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [ الصافات : 12 ] فيمن قرأ بضم التاء . والتعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [ الحشر : 23 ] ومنها الحياء إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا [ البقرة : 26 ] والحياء تغير يعرض للقلب والوجه عند فعل شيء قبيح . والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها في النهاية مثاله : الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه ، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه . فالغضب في حقه تعالى محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن في البداية ، وقس على هذا . قيل : إن للّه تعالى أربعة آلاف اسم ، ألف منها في القرآن والأخبار ، وألف في التوراة ، وألف في الإنجيل ، وألف في الزبور . وقد يقال : ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد ، فإن أقسام صفات اللّه تعالى بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر ، وكل من كان اطلاعه على آثار حكمة اللّه تعالى في تدبير العالم العلوي والعالم السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء اللّه أكثر . وإن قلنا : إن له بكل مخلوق اسما وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار ، خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عزّ من قائل : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] فإن قلت : إنا نرى في كتب العزائم أذكارا غير معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضا غير معلومة ، فما بال تلك الأذكار والرقى ؟ قلت : لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلا لم تفد ، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئا من هذه الأدعية . ولا ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات ، إلا أن أكثر الناس إذا قرءوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات ، لم يكد يظهر عليهم شروق أنوارها ولهذا قد ورد « رب تال للقرآن والقرآن يلعنه » نعوذ باللّه من هذه الحالة . أما إذا قرءوا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئا وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية ، استولى الفزع والرعب على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر ، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة . واعلم أن